على مدار أشهر، هدد الحريديم بدعم مقترح حل الكنيست الإسرائيلي للضغط على حكومة بنيامين نتنياهو لتمرير قانون تجنيد يجنّب أتباعهم الخدمة الإلزامية في صفوف الجيش، ويمنحهم دعمًا ماليًا للمدارس والمعاهد الدينية.
ورغم أن تلك التهديدات كانت محل شك في العديد من المناسبات، إذ تراجعت عنها الأحزاب الحريدية، فإنها – فيما يبدو – قد أخذت منحنى جديدًا أمس، مع تهديدات تلك الأحزاب بحل الكنيست وتبكير الانتخابات.
واليوم، تصدّر غلاف صحيفة «يتيد نئمان»، التابعة لحزب «ديغل هتوراه» الحريدي، تصريحات زعيم التيار الليتواني (أكبر التيارات الحريدية)، الحاخام دوف لاندو، وجاء فيها: «لا نثق برئيس الوزراء، ولم نعد شركاءه، ولسنا ملتزمين تجاهه.. نحن بحاجة إلى انتخابات في أسرع وقت ممكن».
كما ذكرت صحيفة «هاموديع»، لسان حال حزب «أغودات يسرائيل»، أن «جميع مكونات قائمة يهودت هتوراه الموحدة تتفق على أنه لا توجد فرصة لأن يفي حزب الليكود بالتزامه بتنظيم وضع طلاب المعاهد الدينية، وسيسعى إلى حل الكنيست».
محطات التصعيد
قبل أقل من عام، وتحديدًا في يونيو/حزيران الماضي، عشية الحرب مع إيران، بلغت الأزمة بين الحكومة والحريديم ذروتها، إذ هددوا بالتصويت لصالح حل الكنيست احتجاجًا على رفض رئيس لجنة الشؤون الخارجية والدفاع آنذاك، يولي إدلشتاين، تقديم مشروع قانون الإعفاء من التجنيد.
إلا أن مفاوضات مكثفة حالت دون ذلك في اللحظة الأخيرة، وانتهت بتصويت الحريديم ضد حل الكنيست، باستثناء رئيس «أغودات يسرائيل» الذي صوّت مع المعارضة واستقال من منصبه.
وعقب ذلك بيوم، شنت إسرائيل هجومًا على إيران، ما أدى إلى تأجيل معالجة الأزمة.
وبعد انتهاء الحرب، عادت مطالب الحريديم بإقرار قانون إعفاء جديد، وهو ما قوبل بالرفض، ما دفعهم إلى مقاطعة التصويت على القوانين الائتلافية.
وبلغت الأزمة مجددًا ذروتها في يوليو/تموز 2025، عندما استقال وزراء حريديم من الحكومة احتجاجًا على اعتقال طلاب المعاهد الدينية خلال مظاهرات رافضة للتجنيد، إلا أن نفوذهم استمر فعليًا داخل المؤسسات الحكومية والبرلمانية.
وقد أدى ذلك إلى فقدان الائتلاف أغلبيته المستقرة وتعطّل تمرير القوانين.
وفي أغسطس/آب، استُبدل إدلشتاين ببوَعاز بيسموث، إلا أن ذلك لم يسفر عن تقدم ملموس. ومع مطلع 2026، صعّد الحريديم ضغوطهم وهددوا بإسقاط الميزانية، قبل أن يعودوا لدعمها لاحقًا بعد تحقيق مكاسب مالية شملت تخصيص نحو 800 مليون شيكل إضافية لمؤسساتهم.
ورغم التهديدات المتكررة، أقرّ الحريديم الميزانية في نهاية المطاف، مبررين ذلك بضرورات الحرب، فيما حمّلوا المستشارين القانونيين مسؤولية تعطيل التشريع.
في المقابل، أدت التطورات الأمنية في مارس/آذار إلى تأجيل الأزمة مجددًا، لكن مع استمرار التعثر التشريعي عاد الحديث عن حل الكنيست.
وقد أبلغ قادة حريديم مكتب نتنياهو بصعوبة تمرير قانون الإعفاء، ما دفعهم إلى دعم خيار الانتخابات.
وفي تطور لافت، دعا الحاخام لاندو رسميًا إلى حل الكنيست، في موقف غير مسبوق ضد نتنياهو، مؤكدًا فقدان الثقة به. في المقابل، التزم حاخامات آخرون الصمت وسط مؤشرات على انقسام داخلي.
وأمس، دعا الحاخام دوف لاندو أعضاء الكنيست المنتمين لحزب «ديغل هتوراه» إلى التحرك لحل الكنيست.
وقال في ختام اجتماع تشاوري في مقر إقامته مع أعضاء الكنيست، بعد أن تحدث رئيس الوزراء ومرافقوه مع الحريديم وأبلغوهم باستحالة تمرير مشروع قانون الإعفاء بصيغته الحالية: «لم نعد نثق بنتنياهو».
وجاء في رسالة بخط يده أرسلها إلى أعضاء الكنيست: «لا نثق برئيس الوزراء، ولم نعد نشعر بأننا شركاء معه. لسنا ملتزمين تجاهه. ومن الآن فصاعدًا، لن نفعل إلا ما نراه الأفضل لليهود الحريديم، ونرى أن الانتخابات ضرورية في أسرع وقت ممكن. لم يعد هناك مجال للحديث عن تشكيل كتلة».
ورأت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن هذه التصريحات الحادة من الزعيم الليتواني ضد نتنياهو، لا سيما في ضوء التحالف القائم بين الليكود والحريديم في العقود الأخيرة، تأتي في ظل صمت الحاخام موشيه هليل هيرش، الذي يشغل أيضًا منصب القيادة الروحية لـ«ديغل هتوراه».
وأشارت إلى أنه رغم وجود توترات متكررة داخل المجتمع الحريدي، فإن القرارات المهمة كانت تُتخذ دائمًا بشكل جماعي من خلال توقيع رسائل مشتركة وعقد اجتماعات مشتركة.
ولفتت إلى أن الحاخام هيرش لم يشارك في نقاش أمس، موضحة أن العلاقة بين عائلته ومكتب نتنياهو كانت أفضل في السابق. كما أجرى نتنياهو محادثة مطولة معه، بينما يرفض الحاخام لاندو عمومًا التحدث مع رؤساء الوزراء أو أي رمز للحكم الإسرائيلي لأسباب أيديولوجية.
ويبقى موقف حزب «شاس» حاسمًا، إذ يلتزم الصمت حتى الآن، رغم كونه الورقة الأهم التي قد تحدد مصير الائتلاف، وسط ترقب لقراره النهائي بشأن دعم الحكومة أو التوجه نحو انتخابات مبكرة.
وقالت صحيفة «معاريف» إن نتنياهو صرّح في محادثات مغلقة بأنه لا يجب حل الحكومة، مؤكدًا أن هناك قضايا أمنية مهمة مطروحة على جدول الأعمال، وأن إجراء انتخابات قبل انتهاء هذه القضايا سيكون خطأً.
وأضاف أن قانون التجنيد الإجباري لا يمكن إقراره لأنه، وفقًا للمعايير الحالية، لا يحظى بالأغلبية المطلوبة.
وبحسب الصحيفة، تتمثل جهود نتنياهو حاليًا في إقناع رئيس حزب «شاس»، أرييه درعي، بدعم الائتلاف ومعارضة حل الكنيست، مع تمرير القوانين المتفق عليها مسبقًا، وإتاحة المجال للحكومة لمواصلة عملها سياسيًا وأمنيًا.
وقال الصحفي الحريدي آري كالمان، أمس، على قناة i24NEWS، إن نتنياهو تحدث مع درعي وطلب منه عدم دعم حل الكنيست، إلا أن الأخير تجاهل الطلب ورفض الامتثال له، بحسب التقرير.






