تهدِّد أزمة الطاقة العالمية الناجمة عن حرب إيران العديد من المطارات حول العالم، وخصوصًا الأوروبية، بـ«الشلل»، وذلك نتيجة نقص إمدادات وقود الطائرات القادمة من دول منطقة الشرق الأوسط.
ففي الوقت الذي تعترف فيه العديد من البلدان والهيئات المعنية بالطاقة بالعجز الحالي في إمدادات وقود الطائرات، تبرز الكثير من المخاوف حول احتمالات توقف حركة الطيران في هذه الدول، لا بسبب الحرب بمعناها الميداني، وإنما بسبب التبعات الاقتصادية التي باتت شبحًا يهدِّد الملاحة الجوية إذا ما ظلَّ الحال على ما هو عليه دون اتخاذ تدابير إضافية تكفل معالجة هذا النقص في إمدادات وقود الطائرات.
وفقًا لبيانات وكالة الطاقة الدولية، تعد منطقة الخليج مصدرًا رئيسًا لصادرات المنتجات النفطية المكررة إلى الأسواق العالمية، لا سيما المشتقات المتوسطة مثل الديزل ووقود الطائرات.
وقد صدَّر منتجو الخليج 3.3 مليون برميل يوميًّا من المنتجات النفطية المكررة و1.5 مليون برميل يوميًّا من غاز البترول المسال في عام 2025.
وتوقفت طاقة تكرير تبلغ نحو 3 ملايين برميل يوميًّا في المنطقة بسبب الهجمات ونقص منافذ التصدير المجدية، كما تُقلِّص مصافي التكرير خارج المنطقة عملياتها بسبب مخاوف بشأن توافر المواد الخام.
وعلى الصعيد العالمي، كانت أسواق المشتقات الوسطى ضيقة نسبيًّا مقارنة بأسواق المنتجات الأخرى، مما يترك مرونة ضئيلة للمصافي خارج المنطقة لزيادة إنتاجها من وقود الديزل ووقود الطائرات للتعويض عن خسائر الإمداد المستمرة.
وبالحديث عن أزمة وقود الطائرات، أقرَّت وكالة الطاقة الدولية بأن إمدادات أوروبا من وقود الطائرات القادمة من الشرق الأوسط انخفضت بشدة في أبريل/ نيسان المنصرم، مؤكدة أن المنطقة عاجزة عن تعويض تلك التدفقات.
وبحسب رويترز، ذكرت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها الشهري أن واردات أوروبا من وقود الطائرات من الشرق الأوسط انخفضت من 330 ألف برميل يوميًّا في مارس/ آذار إلى 60 ألفًا فقط في أبريل/ نيسان، إذ أدت حرب إيران والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز إلى قطع الإمدادات من الخليج.
وتقول الوكالة إن المناطق المستوردة مثل أوروبا تحتاج في الوضع الأمثل إلى تعويض ما لا يقل عن 80%، ويفضل 90%، من كميات الواردات المفقودة من الشرق الأوسط لتجنب النقص خلال فصل الصيف.
وتشير الوكالة إلى أن واردات أوروبا الصافية من وقود الطائرات في أبريل/ نيسان بلغت 70% من مستواها في مارس/ آذار.
وزادت أوروبا وارداتها من وقود الطائرات من الولايات المتحدة ونيجيريا، ولكن ليس بكميات كافية لتغطية الكمية المفقودة من الشرق الأوسط، وتُظهِر بيانات شركة كبلر أن تلك التدفقات بلغت 221 ألف برميل يوميًّا في أبريل/ نيسان.
وبالرغم من ذلك، أظهرت بيانات وكالة الطاقة العالمية أن حركة الطيران أقل بكثير من مستوياتها الطبيعية، مما يُخفف بعض الضغط على أسعار وقود الطائرات، التي تضاعفت 3 مرات تقريبًا بعد توقف الصادرات من الشرق الأوسط.
وأشارت الوكالة إلى أن الأسعار المرتفعة وتدهور الوضع الاقتصادي وتدابير خفض الطلب ستُؤثر سلبًا على استهلاك النفط العالمي.
وعن الوضع الحالي للسوق، قالت الوكالة إن أسعار النفط الخام شهدت ارتفاعًا أكبر، مما يعكس النقص الحاد في الإمدادات مع سعي المصافي الحثيث لاستبدال شحنات الشرق الأوسط بإمدادات أخرى متوفرة في السوق، كما تأثرت بعض أسواق المنتجات النفطية بشكل خاص، بما في ذلك أسواق الديزل ووقود الطائرات، التي تضاعفت أسعارها المرجعية أكثر من مرتين بعد بدء الحرب.
وجاء في «تقرير سوق النفط» الصادر عن وكالة الطاقة الدولية في أبريل/ نسان 2026، أن من المتوقع أن ينخفض الطلب على النفط بمقدار 80 ألف برميل يوميًّا هذا العام، نتيجةً لتأثير الحرب الإيرانية على التوقعات العالمية، ويمثل هذا انخفاضًا قدره 730 ألف برميل يوميًّا مقارنةً بتقرير الشهر السابق، ومن المتوقع أن يكون الانخفاض المتوقع في الربع الثاني من عام 2026، والذي يبلغ 1.5 مليون برميل يوميًّا، هو الأكبر منذ أن أدى تفشي جائحة كوفيد-19 إلى انخفاض حاد في استهلاك الوقود.
وأضاف أنه في البداية، تركزت أكبر انخفاضات استهلاك النفط في الشرق الأوسط ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ، لا سيما فيما يتعلق بالنفتا وغاز البترول المسال ووقود الطائرات، ومع ذلك، سيتسع نطاق انخفاض الطلب مع استمرار ندرة النفط وارتفاع أسعاره.

المجلس الدولي للمطارات بدوره عبر عن مخاوفه من احتمال تعرض الرحلات الجوية خلال فصل الصيف لبعض الاضطرابات، إذ تقوم شركات الطيران بتحميل أسعار وقود الطائرات المرتفعة على أسعار تذاكر الطيران وإلغاء الرحلات غير المربحة.
وقد أدى الارتفاع الحاد في أسعار وقود الطائرات نتيجةً حرب إيران إلى ارتفاع أسعار تذاكر الطيران.
ورفعت كبرى شركات الطيران الأميركية أسعار تذاكر الطيران ورسوم نقل الأمتعة، وألغت بعض الرحلات، واتخذت إجراءات أخرى لخفض التكاليف.
ويمثِّل الوقود ما يصل إلى ربع نفقات تشغيل شركات الطيران.
ونقلت وكالة بلومبيرغ عن المدير العام لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ والشرق الأوسط في المجلس الدولي للمطارات، ستيفانو بارونسي، أنه ينبغي على المسافرين الاستعداد لارتفاع أسعار التذاكر لفترة أطول.
وبحسب موقع Oilprice.com، لا يمكن أن تمر إمدادات الوقود من الشرق الأوسط عبر مضيق هرمز، في حين خفضت مصافي التكرير الآسيوية صادراتها وسط انخفاض معدلات التشغيل وتفضيل و/أو طلبات الاحتفاظ بمزيد من الإمدادات لأسواقها المحلية، لذا، فإن الانهيار الأخير في الصادرات العالمية لوقود الطائرات - وهو البرميل الأكثر تضررًا خلال صدمة العرض الحالية - لم يكن غير متوقع.
وقد انهارت إمدادات وقود الطائرات من شمال شرق آسيا والساحل الغربي للهند، مما أدى إلى تضييق سوق وقود الطائرات العالمي لدرجة أن المسؤولين والمديرين التنفيذيين لشركات الطيران بدأوا يتحدثون عن نقص الوقود في غضون أسابيع قليلة.
وفي منتصف أبريل/ نيسان المنصرم، حذَّر المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، من أن أوروبا لديها «ربما 6 أسابيع أو نحو ذلك» من إمدادات وقود الطائرات المتبقية.
لكن بارونسي، من المجلس الدولي للمطارات، استبعد المخاوف بشأن النقص، مشيرًا إلى أن ارتفاع الأسعار لا يزال يمثل المشكلة الرئيسية التي تواجه القطاع مستقبلًا
وأضاف أنه مع ارتفاع أسعار تذاكر الطيران، فإن انخفاض الطلب أمر لا مفر منه، وقد تلجأ شركات الطيران إلى تقليص عدد رحلاتها هذا الصيف.
في وقت سابق من شهر مايو/ أيار الحالي، قالت مجموعة لوفتهانزا، أكبر شركة طيران في أوروبا، إنها تتوقع أن يكلفها الارتفاع الكبير في أسعار وقود الطائرات ملياري دولار إضافية هذا العام، إذ أن إغلاق مضيق هرمز «يؤدي إلى نقص في إمدادات الكيروسين وبالتالي إلى زيادة كبيرة في أسعاره».
كما أعلنت وزارة النقل الأميركية، الأربعاء الماضي، 6 مايو/ أيار، أن شركات الطيران الأميركية الكبرى أنفقت ما يزيد قليلا على 5 مليارات دولار لشراء وقود الطائرات في مارس/ آذار بزيادة 1.8 مليار دولار، أي 56%، مقارنة بشهر فبراير/ شباط.
وبحسب وكالة رويترز، بلغت تكلفة الغالون الواحد من الوقود في مارس/ آذار 3.13 دولار، بزيادة 74 سنتًا، أو ما يساوي نسبة 31%، عن فبراير/ شباط.
وأضافت الوزارة أن استهلاك الوقود ارتفع بنسبة 20% في مارس/ آذار.
وكانت شركات الطيران قد أنفقت 3.88 مليار دولار في مارس/ آذار 2025 على وقود الطائرات، وهو أقل بكثير من 5.06 مليار دولار أنفقتها في مارس/ آذار من هذا العام.
وأعلنت شركة «طيران الهند»، اليوم الأربعاء، إنها ستقلص رحلاتها مؤقتًا على خطوط دولية عدة بين يونيو/ حزيران وأغسطس/ آب، مشيرة إلى قيود المجال الجوي في بعض المناطق وارتفاع أسعار وقود الطائرات إلى مستويات قياسية.
وقالت الخطوط الجوية الهندية، في بيان نشرته على موقع إكس: «نحن نقوم بإجراء تعديلات مؤقتة على بعض الخدمات الدولية المحددة بين يونيو/ حزيران وأغسطس/ آب 2026، ضرورية بسبب استمرار قيود المجال الجوي فوق بعض المناطق وسعر وقود الطائرات المرتفع للغاية للعمليات الدولية».
وأضافت أنه «بالرغم من هذه التغييرات، ستستمر طيران الهند في تشغيل أكثر من 1200 رحلة دولية كل شهر، مع الحفاظ على شبكة عالمية قوية عبر 5 قارات».
وأمام نقص إمدادات وقود الطائرات من نوع Jet A-1، الذي تستخدمه المطارات الأوروبية لأنه الأنسب للرحلات الطويلة والتشغيل في درجات حرارة منخفضة، تحوَّلت بعض المطارات إلى استخدام وقود الطائرات من نوع Jet A.
لكن وكالة سلامة الطيران التابعة للاتحاد الأوروبي حذَّت المطارات وشركات الطيران في المنطقة على ضرورة اتخاذ الاحتياطات اللازمة عند التحول إلى وقود الطائرات من نوع Jet A المستخدم في الولايات المتحدة بالأساس، وسط مخاوف من نقص في إمدادات الوقود بسبب حرب إيران.
وقالت الوكالة، في بيان نشرته عبر موقعها، إن «الأوضاع في الشرق الأوسط والخليج أثرت على إمدادات وقود الطائرات من نوع Jet A-1، المستخدم تقليديًّا في أوروبا، ولذلك، يدرس المعنيون بقطاع الطيران وإمدادات الوقود جدوى استخدام وقود Jet A، المستورد من مناطق أخرى حول العالم، لسد أي نقص محتمل».
وأضاف البيان أنه «في هذا السياق، أصدرت وكالة سلامة الطيران الأوروبية (EASA) نشرة معلومات السلامة (SIB) لتوجيه الجهات الفاعلة في مجال الطيران بشأن الإدارة الآمنة لوقود Jet A في بيئة Jet A-1».
وأوضح البيان أن «وقود الطائرات من فئة Jet A يُستخدم بالفعل في أميركا الشمالية، بما في ذلك الرحلات المتجهة إلى أوروبا، ويتطلب إدخاله المحتمل في الأسواق التي تستخدم عادةً وقود Jet A-1 إدارةً دقيقة، ويجب على المشغلين إدراك الاختلافات في خصائص الوقود، لا سيما أن Jet A يتميز بنقطة تجمد قصوى أعلى من Jet A-1، كما يجب مراجعة الإجراءات التشغيلية لمشغلي الطائرات، وضوابط مناولة الوقود في المطارات ومنظمات المناولة الأرضية، بالإضافة إلى قنوات التواصل بين هذه المنظمات، لضمان إدارة جميع المخاطر الناجمة عن هذه الاختلافات بشكل صحيح».







