تشهد الساحة اللبنانية تحركات متسارعة مع زيارة الأدميرال الأميركي براد كوبر إلى بيروت لبحث آليات تنفيذ الاتفاق الأمني المرتبط بالوضع في جنوب لبنان، وأكدت قيادة الجيش اللبناني عقب اللقاءات أن النقاشات تركزت على كيفية تطبيق الملحق الأمني الذي تم الاتفاق عليه في واشنطن مؤخرًا مع إسرائيل.
تهدف المباحثات إلى تنظيم آلية الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من مناطق محددة في الجنوب اللبناني تحت إشراف أميركي، وحتى الآن لم تُسجل أي خطوات ميدانية واضحة، كما لا توجد معلومات رسمية بشأن جدول زمني ملزم أو مدة بقاء القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.
في المقابل تؤكد إسرائيل أن أي انسحاب مرتبط بقدرة الجيش اللبناني على فرض السيطرة على المناطق التي ستنسحب منها قواتها، كما تتهم تل أبيب حزب الله بمواصلة تنفيذ عمليات واستهدافات ضد قواتها المنتشرة في الجنوب، وتقول إن قواتها تواصل تنفيذ عمليات أمنية داخل ما تصفها بالمناطق الأمنية.
استقبل دولة رئيس مجلس النواب، نبيه بري، في مقر الرئاسة الثانية في عين التينة، رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل. وشهد اللقاء بحثًا معمقًا لآخر تطورات الأوضاع والمستجدات السياسية والميدانية، لا سيما في ضوء مواصلة إسرائيل اعتداءاتها المستمرة وعمليات نسف القرى الممنهجة في الجنوب اللبناني، إلى جانب استعراض عدد من الشؤون والقضايا الوطنية الملحة.
وأكد باسيل أن زيارته لبري تأتي في سياق المسعى المستمر الذي يصر عليه التيار الوطني الحر لحماية لبنان، والعمل على جمع أكبر قدر ممكن من اللبنانيين حول هذه الفكرة، مشددًا على أنه مهما بلغت الاختلافات والأفكار السياسية المتباينة، فإن عدم حماية لبنان في هذه المرحلة سيعني حتمًا تهديدًا مباشرًا لوجوده وكيانه.
ويرى مراقبون أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مصير الاتفاق ومدى إمكانية تطبيقه على الأرض. وسط ترقب لبناني ودولي لما ستسفر عنه المفاوضات والإجراءات التنفيذية المقبلة.
من جهته، اعتبر بشارة خير الله، المستشار السابق للرئيس اللبناني الأسبق ميشال سليمان، أن الاتفاق الإطاري الأخير بين لبنان وإسرائيل يمثل إنجازًا دبلوماسيًا لم يشهده لبنان منذ قرابة 50 عامًا، مؤكدًا أن الأهمية الاستراتيجية لهذا الاتفاق تكمن في نجاح الدولة اللبنانية في استعادة قرارها المستقل وفك الارتباط المفروض بين الساحة اللبنانية والمصالح الإقليمية الإيرانية.
وأوضح خير الله أن لبنان كان واقعًا طوال الفترة الماضية بين مطرقتين جرّاء محاولات القوى الإقليمية تجاذب ورقة قراره السياسي، موضحًا أن إدراج اسم لبنان ثلاث مرات في مسودة التفاهمات المبدئية التي رعتها سويسرا بين الولايات المتحدة وإيران، كان يعكس مسعى طهران الواضح للتحكم بالقضية اللبنانية واستخدامها كورقة تفاوضية.
وأضاف أن الاتفاق الإطاري اللبناني الإسرائيلي الذي جرى برعاية واشنطن، جاء ليرد بشكل حاسم ويسحب هذه الورقة من يد طهران، ويعيدها كقضية لبنانية رسمية ومستقلة، مشيرًا إلى أن «المطلب الأساسي لكل لبناني شريف اليوم هو العودة إلى الهدوء، وتثبيت الحدود، واستعادة الأسرى، وإعادة الإعمار، وهي أمور لم يكن بالإمكان تحقيقها مع استمرار شعارات القتال حتى الموت».
أكد المستشار السابق للرئيس سليمان أن الموقف اللبناني الرسمي أراد من خلال هذا التحرك الدبلوماسي توجيه رسالة واضحة وصريحة إلى المجتمع الدولي مفادها أن حزب الله لا يعبر عن الموقف الرسمي للدولة اللبنانية، مضيفًا: «حزب الله، ورغم كونه فصيلاً مؤلفًا من مواطنين لبنانيين ينتمون للجمهورية اللبنانية ويحملون جواز سفرها، فإنه عمليًا يقاتل بأوامر إيرانية ولأجل إيران، فهو يفتح الجبهة عندما تطلب منه طهران ذلك، ويوقف إطلاق النار عندما تأتيه الأوامر منها».
وشدد على أن الدولة اللبنانية رفضت البقاء في هذا الموضع الرمادي، وأصرت على جعل التفاوض محصورًا بين مؤسساتها الشرعية والمجتمع الدولي.
حول ما يُشاع عن وجود شرخ سياسي داخلي حاد واعتراض من رئيس مجلس النواب نبيه بري أو حزب الله على أداء الحكومة، وصف خير الله هذا الاعتراض بأنه اعتراض في الشكل فقط وليس في المضمون، وهو يهدف إلى مسايرة البيئة الحاضنة للحزب التي أوجعتها الحرب بشكل كبير، مستدلاً على ذلك ببقاء وزراء حركة أمل وحزب الله داخل الحكومة وعدم انسحابهم منها.
وجزم خير الله باستحالة إقدام الثنائي الشيعي أو حلفائه على إسقاط حكومة رئيس الوزراء نواف سلام، مستعرضًا الموانع الدستورية والواقعية التي تحول دون ذلك، موضحًا أن الحكومة تسقط دستوريًا إما باستقالة رئيسها، أو باستقالة ثلث أعضائها زائد واحد أي 9 وزراء من أصل 24، وحاليًا لا يملك حزب الله سوى وزيرين فقط داخل الحكومة، بينما يتواجد كافة حلفائه خارج التركيبة الوزارية، مما يجعله عاجزًا عن تأمين النصاب اللازم للإسقاط.
وأكد خير الله أن حركة أمل ورئيسها نبيه بري غير موافقين على خطوة إسقاط الحكومة أو سحب الوزراء منها، مما يحرم الحزب من غطاء شريكه الأساسي، مشيرًا إلى أن رئيس المجلس النيابي نبيه بري دعا علنًا إلى عدم الانجرار إلى الشارع وتجنب أي صدامات أو تظاهرات، مما يلغي سيناريو الضغط الميداني الذي استُخدم في سنوات سابقة لإسقاط الحكومات.
وأكد خير الله أن حكومة الرئيس نواف سلام باقية ومحصنة، وأن كل ما يدور حولها من تجاذبات سياسية لن يؤثر على استمرارها في أداء دورها الوطني والتنفيذي.
في سياق متصل، تشهد الساحة اللبنانية حالة من الترقب الحذر بانتظار بدء الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من مناطق جنوب لبنان، في ظل غياب أي إعلان رسمي حتى الساعة يحدد بدقة النطاق الجغرافي للمرحلة الأولى، بانتظار ما ستتبلغه بيروت من الجهات الدولية الراعية للاتفاق الأمني.







