Khabar24

وعيُ اللحظة وصناعةُ النهضة

وعيُ اللحظة وصناعةُ النهضة

فيصل المضاحكة:

قبل يومين من القصف الإيراني، كنتُ في الدوحة. الليل هادئ، والمدينة تتلألأ كأنّ شيئًا لا يتهدّدها. جلستُ مع صديقي الأديب والمفكّر جميل مروة نتحدّث — كعادتنا — عن العرب: عن فرصهم التي تبخّرت، وعن الكوارث التي صنعوها بأيديهم. وفي خضمّ الحديث قال جملةً لم تفارقني منذ تلك الليلة. اتفقنا على المعنى، واختلفنا على الرقم فقط: هل تسعون في المئة من قرارات العرب في السبعين سنة الماضية وُلدت من الجهل، أم خمسٌ وتسعون؟
دعوني أكون واضحًا. لا أتحدّث عن جهلٍ بالمعنى الفلسفي الذي يحبّه المثقفون. أتحدّث عن الحقيقة المرّة المباشرة: جهلٌ بالقانون الدولي. جهلٌ بالفرق بين السيادة والشرعية. جهلٌ بكيف يتغيّر العالم، وكيف تتحرّك القوى الكبرى، وإلى أين تتّجه الجيوسياسة. من تلك الجملة، في تلك الليلة، وُلدت هذه المقالة.
ابدأ بالمستبدّ. إنه يلعب بمصير أمةٍ بأكملها كأنه يقلّب حصاةً في كفّه. لا يستشير، ولا يُراجع، ولا يزن العاقبة إلا بمقدار ما يُرضي كبرياءه. الدمُ هيّنٌ على من لا يسفكه من عروقه، والعنادُ سهلٌ على من لا يدفع ثمنه من لحمه. وما يجهله هؤلاء أنّ العدوّ الحقيقي ليس هذا الخصم أو ذاك، بل هو عدوّ الإنسان: عدوّ خبزه وأمنه وغده، سواء جاء في ثوب الغازي أو في ثوب الصديق الذي يزجّ بك في حربه.


والمشكلة الأكبر اسمها سوء التقدير. الطغاة يظنّون المماطلة ذكاءً، والمناورة على طاولة التفاوض دهاءً، والتلكّؤ عن السلم اقتدارًا. لكن في السياسة الدولية، كما في الأسواق، النافذة تُغلق. الفرصة التي تضيّعها اليوم لا تشتريها غدًا بأيّ ثمن. كم من ساعة كِبرٍ كلّفت أمةً عقودًا من الركام. وإيران في هذا ليست استثناءً؛ سبقتها دولٌ ظنّت أنها تماطل القدر فماطلها، وتساوم التاريخ فأفلت من يدها.

 


ولنكن صرحاء حول كيف يعمل العالم فعلًا. ”أمريكا“ كلمة فضفاضة — تحتها دولٌ ومؤسساتٌ ومصالح متشابكة. لكن القاعدة بسيطة: القوى الكبرى تتحرّك بمصالحها، لا بعواطفنا. روسيا، والدول الخمس المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، تدير العالم بميزان القوّة لا بميزان التمنّي. وهناك صاعدون جدد يشقّون طريقهم: الهند، البرازيل. والسؤال الذي يجب أن يقضّ مضاجعنا: أين نحن من هؤلاء؟ أمن الصاعدين نحن، أم من القاعدين على الرصيف ننتظر من يأخذ بأيدينا؟ سؤالٌ مهمٌ، وفي جوابه الفصل.
انظر إلى الأمثلة. صدّام حسين ناطح أمريكا وهو لا يملك أدواتها، وغزا الكويت غزوًا غاشمًا في غفلة من العقل، فظنّ المغامرة مجدًا، فإذا هي حبلٌ التفّ على عنق بلد بأكمله. آل الأسد، الأب والابن، حكموا شعبًا أعزل، فما بنوا دولة بل بنوا سجنًا، وحين انهار كل شيء لم يورّثوا السوريين إلا الركام والمنافي. والقذّافي تجبّر على شعبه حتى سلّط الله عليه من هو أجبر منه. نعم، في الدنيا مؤامرات، والغرب متجبّر لا يرحم. لكن السؤال الوحيد المهمّ: هل بنى هؤلاء دولًا، أم حفروا قبورًا؟
ولأكن منصفًا، فالإنصاف نصف الحكمة. الحزب الذي حرّر جنوب لبنان عام 2000، وصمد في حرب 2006 حتى رآه الناس بطلًا قوميًا، له في القلوب موضعه الذي لا يُنكَر. لكن أين هو اليوم؟ تحوّل من محرّرٍ لوطنه إلى رهينةٍ بيد إيران، يخوض حروب طهران لا حروب بيروت. سألتُ أحد أنصاره: لماذا تدخل حربًا ومزارع شبعا قد تحرّرت؟ لماذا تذهب إلى سوريا تدافع عن طاغية ضدّ شعبٍ ثار؟ لماذا تقحم نفسك في حرب مع إيران ضدّ إسرائيل من غير قرار دولتك؟ فكان جوابه اللازمة المكرورة: ”وهل تظنّ إسرائيل تنتظرنا؟ ستحتلّنا... ستحتلّنا.“ فقلتُ له: وإلى متى؟ إلى متى نرهن حاضرنا كلّه لخوفٍ لا ينقضي، ونبدّد دماءنا على مذبح احتمال؟ ذلك الخوف السرمدي هو الجهل بعينه. هناك زمنٌ للحرب، وزمنٌ لبناء الإنسان، والذكاء كلّه أن تعرف في أيّ زمنٍ أنت.


ثم إننا مدمنون على لعبة توزيع اللوم. خذ مثالًا من التاريخ: الفاطميون في عهد الحاكم بأمر الله هدموا الكنائس، حتى كنيسة القيامة، فيقول قائل إنّ ذلك من شرر الحروب الصليبية. ويردّ آخر: الحروب الصليبية كانت آتية لا محالة، لها محرّكاتها في أوروبا وأطماعها. وهكذا ندور في حلقة مفرغة: أمِنّا كان الذنب أم منهم؟ والحقيقة أنّ الدوران نفسه هو المرض. نحرق العمر في تحديد المذنب، بدل أن ننفقه في بناء الغد.
وهنا أصل إلى أخطر حيلةٍ على الإطلاق. كتب المصلح عبد الرحمن الكواكبي قبل أكثر من قرن أنّ أقدم خدعة يحتمي بها كلّ مستبدّ هي أن يقنع المظلوم بأنّ بؤسه قضاءٌ وقدر، لا سياسةُ حاكم. يُسلّي الأسيرُ نفسه بِجنّةٍ موعودة، وينسى أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأنه قد يخسر الصفقتين معًا. وتُجتزأ النصوص وتُلوى: ”السلطان ظل الله في الأرض“، ”الظالم سيف الله“. بينما النصّ الحاسم يقول كلمته: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. الترياق بسيط: أن يعرف المظلوم أنّ شقاءه صناعةٌ بشرية، لا حكمٌ سماء.
ولا تنخدع بالأسماء. الاستبداد جوهرٌ واحد، وإن تعدّدت أرديته: ثوبٌ سُنّيٌ عند داعش، وثوبٌ شيعيٌ عند حزب الله، وثوبٌ صهيونيٌ عنصريٌ عند نتنياهو وعصابته، وثوبٌ نازيٌ عند هتلر، وثوبٌ فاشيٌ عند موسوليني. القميص يتبدّل والجسد واحد. الطاغية طاغيةٌ وإن صلّى، والدم المسفوك ظلمًا لا تطهّره رايةٌ ولا يبرّره شعار. ومن ظنّ أن استبداد أهله أهون من استبداد عدوّه، فقد خُدع بالاسم عن المسمّى، وأَنِس بالسجّان لأنه يكلّمه بلسانه.


دعوني أنهي بفكرة أمل. الجغرافيا ليست قيدنا، بل أعظم ما نملك: أراضٍ شاسعة، وموارد لم تُستغلّ بعد في زمن التكتلات الكبرى. وأمامنا نموذجٌ يعمل بالفعل: الخليج العربي. عصبةٌ يعيش فيها نحو ثمانية عشر مليون عربي، وتأوي ملايين المسلمين وغيرهم ممّن قصدوها بحثًا عن أمنٍ وعملٍ ورزق. والناس لا يهاجرون إلى الشعارات؛ يهاجرون إلى النماذج التي تنجح. هذا النموذج يستحق أن يُحمى ويُبنى عليه، لا أن نظلّ رهائن للنصوص والنظريات.


أعرف ما ينتظرني: مجلّداتٌ من الردود، ومحاولاتٌ لجرّي إلى ملعب الطائفية، أو ملعب المؤامرات، وتهمة جاهزة — ”مؤدلج“ أو ”أمريكي الهوى“. لا. أنا عربيٌّ الهوى، إسلاميٌّ الانتماء، نقيٌّ السريرة، لا أبتغي إلا خير هذه الأمة. وهذه آراء، دفعتني إليها الغيرة على طاقةٍ مهدورة، لا أكثر.


وتأمّل المشهد الأخير معي: من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، دول عربية وإسلامية تمسك بمضائق العالم، وغازه، وأنهاره. مليارٌ وثمانمئة مليون إنسان. نملك المفاتيح كلّها، ثم نقف على الأبواب نتشاجر على من فتحها أولًا. ما أعجب قومي! فهل نفقه قبل أن يفوت الأوان؟

Banner for article-inline-ads