شهدت إسرائيل موجة عارمة من التنديد والاستنكار، عقب تصريحات تحريضية حادة أطلقها حاخام بارز في المجتمع «الحريدي» المتشدد ضد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير.
وجاءت التصريحات خلال تظاهرة حاشدة جرت ليلة أمس الإثنين، في مدينة بني براك، احتجاجًا على مساعي فرض التجنيد الإجباري على طلاب المدارس الدينية «اليشيفا»، وهو الملف الذي يثير انقسامًا مجتمعيًا وسياسيًا واسعًا.
مقاطعة الجيش
كان الحاخام أرييه يزدي، رئيس أحد المعاهد الدينية «الكوليل» قد أطلق في بني براك، هجومًا عنيفًا ضد رئيس الأركان إيال زامير على خلفية إنفاذ إجراءات التجنيد وسجن أحد الطلاب الرافضين للخدمة العسكرية.
وقال يزدي في خطاب ألقاه أمام آلاف المتظاهرين: «ليُمحى اسم رئيس الأركان الملعون من الذاكرة، ولقد زج بجندي في السجن لأنه وضع رقعة تحمل كلمة (المسيح)، لا تنخدعوا به ولا تنضموا إلى الجيش».
أقيمت الفعالية الاحتجاجية بقيادة الحاخام الأكبر السابق وعضو مجلس حكماء التوراة في حزب «شاس»، يتسحاق يوسف، وتحت رعاية منظمة «عام كادوش» المرتبطة بالفصائل الحريدية الأكثر تشددًا.
ورغم محاولات قيادة حزب «شاس» للنأي بنفسها وتجنب لفت الأنظار بسبب الحساسية السياسية للائتلاف الحكومي، فإن أعضاء الكنيست عن الحزب، يواف بن تسور، وميخائيل مالكيلي، ويوناتان مشرقي، حضروا المظاهرة وصعدوا إلى المنصة عقب كلمة يزدي دون إبداء أي اعتراض فوري.
في المقابل، شهدت نهاية المسيرة هتافات مناهضة لرئيس حزب شاس الحالي، أرييه درعي، حيث هتف المتظاهرون المتشددون الذين يعارضون أي تسوية حول التجنيد بعبارة: «درعي ارحل».
وبرر الحاخام يتسحاق يوسف تنظيم المسيرة بالاحتجاج على السلطات الظالمة وقضاة المحاكم، مضيفًا أن سجن طالب المدرسة الدينية في عار يُعد إهانة لشرف التوراة، وعندما يُقتل الجنود في المعارك، فذلك بسبب الأحكام الصادرة ضد طلاب التوراة بدلاً من منحهم كل ما يستحقونه من خير.
من جانبه زعم الحاخام ليفي بينشاسي أن قادة الجيش لا يريدون الحريديم بل يريدون إفسادهم، مشبهًا السلطات الحالية بـ «هامان».
وشهدت المظاهرة توزيع منشورات تؤكد رفض التجنيد وتتضمن أرقام هواتف للإبلاغ الفوري عن اعتقال الأفراد الفارين من الخدمة.
تبرؤ حكومي وحزبي
علق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، اليوم الثلاثاء، على التصريحات، قائلًا: «أدين بشدة التصريحات المشينة التي صدرت بحق رئيس الأركان الليلة الماضية في بني براك، وحتى في ظل وجود اختلافات في الرأي، لا مكان للتصريحات التحريضية الخطيرة ضد الجيش وقادته الذين يحموننا جميعًا».
من جانبه، أدان وزير الجيش يسرائيل كاتس، التصريحات، مؤكدًا أن رئيس الأركان وقادة الجيش يقودون المقاتلين في جميع الساحات للدفاع عن الدولة، وأن أي تحريض ضدهم يعد تجاوزًا للخطوط الحمراء وغير مقبول.
في المقابل، امتنع المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي عن إصدار أي رد رسمي على الهجوم.
بدوره، تبرأ حزب «شاس» من تصريحات يزدي، وقال في بيان: «التصريحات المتطرفة التي سُمعت تجاه رئيس الأركان في بني براك لا تعكس رأي حاخاماتنا في مجلس حكماء التوراة، وتتعارض تمامًا مع نهج الحركة الذي ورثناه عن الحاخام الراحل عوفاديا يوسف».
تنديد واسع
من جهته، وصف الرئيس إسحاق هرتسوغ، التصريحات بالصادمة والمرفوضة، داعيًا القيادات إلى انتهاج خطاب مسؤول ومحترم والابتعاد عن لغة الإهانات والشتائم ضد القائد الأعلى للجيش.
في سياق متصل، انتقد غادي آيزنكوت رئيس الأركان السابق ورئيس حزب «ياشار!»، تأخر نتنياهو في الإدانة، متهمًا إياه بالصمت لساعات طويلة والانخراط في مناورات سياسية انتهازية مع الأحزاب العربية لحشد أغلبية لقانون التهرب الجديد من أجل بقائه الشخصي في السلطة.
وأضاف أن هذا التحريض يعكس ثقافة الكراهية والانقسام التي تزهق دماء الجنود.
من جهته، قال يائير لابيد زعيم المعارضة: «الحريديم يحرضون ضد مقاتلينا ويسمحون بإراقة دماء رئيس الأركان، بينما التزم نتنياهو والوزراء الصمت التام في البداية دون توقيف واحد بتهمة التحريض، وجنودنا أبطال وهذه الحكومة مجموعة من الجبناء».
تمويل حكومي
أعاد الهجوم على زامير تسليط الضوء على الدعم المالي الرسمي الذي تتلقاه المؤسسات الدينية التي يقودها الحاخامات المحرضون.
بحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت»، أظهر فحص في الموقع الإلكتروني لوزارة العدل الإسرائيلية أن معهد «كوليل توراة وحياة بني براك» التابع للحاخام أرييه يزدي يتلقى تمويلاً سنويًا ضخمًا من خزينة الدولة.
وبحسب البيانات الرسمية، حصل المعهد العام الماضي على دعم حكومي بلغ نحو 653 ألف شيكل، فيما بلغ الدعم عام 2024 نحو 818 ألف شيكل، و870 ألف شيكل في العام الذي سبقه.
وتكشف السجلات الدستورية أن إجمالي الدعم الحكومي لـ «كوليل» يزدي بلغ ملايين الشواقل على مدار السنوات الماضية، حيث سجل ذروته عام 2018 بمبلغ تجاوز المليون شيكل.
وعقب رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت على هذه الأرقام بوعد سياسي قاطع، قائلاً: «أنتم من تدفعون راتبه، وفي الحكومة القادمة سنضع حدًا لهذا، والقاعدة ستكون بسيطة: كل من يُعلّم ويحرض ضد الصهيونية وضد إسرائيل لن يحصل على شيكل واحد من أموال الدولة».
وكانت حركة الاحتجاجات قد تسببت في شلل مروري تام وازدحامات خانقة عقب انطلاق قوافل مركبات الحريديم من عشرات المواقع في 19 مدينة إسرائيلية من الشمال إلى الجنوب.
ورغم محاولة المحتجين التوجه ومحاصرة السجن العسكري «رقم 10» القريب من كفار يونا، فرضت الشرطة طوقًا أمنيًا ومنعتهم من الوصول، ما دفع المنظمين لتحويل مسار الاحتجاج نحو الطريق السريع 57 قبل الإعلان عن فضه مؤقتًا، مع توجيه تهديدات صريحة للشرطة والحكومة بتنفيذ مفاجآت ميدانية أخرى في الأيام المقبلة إذا استمرت حملة الاعتقالات.







