لم يعد الطريق إلى أراضي بلدة بيت عور التحتا، غرب مدينة رام الله، مغلقاً بالسواتر الترابية والصخور الضخمة فحسب، بل أُغلقت معه أبواب الرزق، وانقطعت صلة مئات المواطنين بأرض ورثوها عن الآباء والأجداد، بعدما تحولت آلاف الدونمات الزراعية إلى مناطق يحظر على أصحابها الوصول إليها، بفعل اعتداءات وعربدة المستوطنين المسلحين تحت حماية قوات الاحتلال الإسرائيلي.
ويروي أحد المواطنين " إن المستوطنين استولوا على نحو 7000 دونم من أراضيهم، ويمنعون من الوصول إليها منذ أكثر من تسعة أشهر"، فيما امتدت الاعتداءات إلى تدمير مقومات الحياة فيها، فقد تعرضت نحو 50 عزبة زراعية شيدها الأهالي لخدمة أراضيهم إلى التكسير والتخريب، فيما جُرفت مساحات واسعة لإقامة غرف متنقلة للمستوطنين، في مشهد يعكس تحول الأراضي الزراعية إلى بؤر استيطانية على حساب أصحابها الشرعيين.
وتحتضن هذه الأراضي ما يقارب 200 بئر مياه كانت تشكل شريان الحياة للمزارعين، تُستخدم لري المحاصيل وتوفير مياه الشرب، بينما كانت كروم الزيتون والعنب، وأشجار التين واللوزيات، إضافة إلى الخضراوات الموسمية، توفر مصدر الدخل الرئيس لعشرات العائلات التي وجدت نفسها اليوم بلا أرض ولا مصدر رزق ولا حتى المحصول السنوي من زيت الزيتون.
ويؤكد الأهالي أن علاقتهم بهذه الأرض لم تكن علاقة ملكية فحسب، بل علاقة حياة امتدت لعقود طويلة، إذ اعتادوا على حراثتها واستصلاحها والعناية بها موسماً بعد آخر، حتى غدت عنواناً للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لأبناء البلدة.
وفي سياق الاعتداءات، أقدم المستوطنون على إغلاق جميع الطرق المؤدية إلى الأراضي والجبال التي تعود ملكيتها لأهالي بيت عور التحتا بواسطة السواتر الترابية والحجارة الضخمة، في محاولة لعزل المواطنين العُزل بشكل كامل عن ممتلكاتهم، كما اقتلعوا أشجار الزيتون الرومي المعمرة التي اشتهرت بها المنطقة، وهي أشجار تجاوز عمر بعضها عشرات ومئات السنين، وشكلت جزءًا من الإرث الزراعي والتاريخي للبلدة.
ولم تقتصر الخسائر على الجانب الاقتصادي، إذ فقد أهالي بيت عور التحتا متنفسهم الطبيعي الوحيد، حيث كانت تلك الجبال مقصداً للعائلات خلال العطل الأسبوعية، ومكاناً يجمع الأجيال في فضاء ارتبط بذكرياتهم وحياتهم اليومية، قبل أن يصبح الوصول إليه محفوفاً بالمخاطر أو مستحيلًا.
كما اشتهرت المنطقة بتنوعها النباتي، إذ كانت تنمو فيها نباتات برية مثل الزعتر والميرمية وإكليل الجبل والزعرور والقيقب والسماق، واعتمدت عائلات كثيرة على جمعها وبيعها لتوفير دخل إضافي، فيما اعتاد آخرون جمع الحطب منها استعداداً لفصل الشتاء، في صورة تعكس ارتباط الإنسان الفلسطيني بأرضه بوصفها مصدراً للعيش والاستمرار.
وبين أرض صودرت، وأشجار اقتُلعت، وآبار حُرم أصحابها من الوصول إليها، تتجسد في بيت عور التحتا معاناة تتجاوز فقدان الملكية إلى استهداف مقومات الحياة نفسها، حيث يجد مئات المواطنين أنفسهم محرومين من أرض كانت على مدى عقود مصدر رزقهم، وملاذهم الطبيعي، وجزءاً لا يتجزأ من هويتهم وذاكرتهم الوطنية الفلسطينية.







