الكاتب المصري الراحل جمال حمدان في كتابه الأشهر «شخصية مصر ـ دراسة في عبقرية المكان» لم يكن يتحدث عن الجغرافيا كخرائط وأنهار وحدود فقط، بل كان يرى أنها تصنع التاريخ والسياسة والشخصية الحضارية للشعوب.. ويروي الصحافي المصري الراحل محمد حسنين هيكل، أن رئيس فرنسا الأسبق الجنرال ديغول لم يكن يتحدث بأمر استراتيجي سياسي إلا وكانت الخرائط الجغرافية أمامه.
من هنا تقدم الصراع القائم بين إيران وأميركا وإسرائيل حين نطق الإيرانيون بمضيق هرمز، وضعوه على طاولته، أجلسوه في مقدمتها وبدأوا رحلة جديدة من المفاهيم التي لم تفهم في البداية، لكنها صارت من أسسه.
عرف قادة إيران أنهم يملكون أثمن ما لديهم وقد يتفوق على التخصيب واليورانيوم وهو المضيق، فبادروا إلى استغلاله في حده الأقصى وهم على دراية بأنهم لا يستحقون ما يفعلون، ففعلوا..!
كانت فكرتهم المشهود لها بأنها تحد لكل أصول العلاقات بين الدول، هي محاولة استبدال الصراع، بتحول الأولي إلى ثانوي، جعل قضية المضيق سبّاقة على ما هو المطلوب من إيران تنفيذه، فأشعلت المنطقة تحديات، ونجحت في الإمساك بورقة جعلت العالم كله ينتبه إلى واقعه ويراجع حساباته الغذائية والنفطية.. وبالرغم من نداء الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الحلف الأطلسي وبقية العالم لمؤازرته في العمل على فتح المضيق، لم يسعفه أحد، ولم يجرب، وخصوصا بريطانيا وفرنسا وألمانيا، الاقتراب من اللعبة التي من الواضح لهم أنها سوف تحرق الجميع ولن تحقق قدرة أو سيطرة أو تغييرًا في واقع هذا المكان الساحر.
أدار قادة إيران جغرافيتهم التي انتبهوا إلى تأثيرها القوي على المجتمع العالمي بكل دراية بما يفعلونه لتغيير مسار الصراع أو تبديل الأولويات فيه، مقابل عجز أميركا التي تفتق عقل رئيسها ترمب عن العديد من المحاولات، مرة بالقوة ومرة بمحاولات التفاهم، لكنه فشل فيها جميعها. ظلت إيران متأبطة جغرافيتها بقوة، ووصل بها الأمر إلى تحدي أميركا بإطلاق النار على مدمرتيها.. لا أدري إذا كانت اكتشفت أهمية المضيق منذ البداية، وهي فكرة عبقرية لتحويل الجغرافيا إلى صناعة لصراع مهم وتاريخي.
منذ بداية التاريخ، وفارس جالسة على ذاك المضيق.. تملك سواحل واسعة على الخليج وتمارس نفوذًا مباشرًا أو غير مباشر عليه، لكن السيطرة لم تكن دائمًا مطلقة أو مستقرة.. ولهذا يقال إن إيران تمسك بالمضيق لأن لديها سواحل طويلة عليه، وقواعد بحرية وصاروخية، ويمكنها تهديد الملاحة فيه عسكريا، لكن قانونيًّا لا تملك إيران المضيق وحدها، لأنه ممر دولي تشترك فيه جغرافيا مع عُمان وتخضع الملاحة فيه لاتفاقيات دولية.
محاولات تحت السيطرة
صحيح أن الولايات المتحدة تنشر مدمرات وسفنًا حربية وطائرات مقاتلة في الخليج وحول المضيق، ترافق الآن أو تحاول تأمين عبور السفن التجارية العالقة، كما تعترض صواريخ وزوارق إيرانية تقول واشنطن إنها تهدد الملاحة، وتحاول إنشاء ممر آمن للسفن داخل المضيق.
لكن بالمقابل، هنالك تضارب حول ما إذا كانت العملية مستمرة بكل قوتها أم جرى تعليقها مؤقتا لإفساح المجال للمفاوضات مع إيران.
جوهر ما يحدث الآن أن إيران استخدمت المضيق كورقة ضغط استراتيجية، بينما تحاول أميركا منعها من فرض سيطرة فعلية على واحد من أهم ممرات الطاقة في العالم.
ومع هذا، يجري كل ذلك تحت سيطرة إيران، وتحت عينها التي لا تنام ولا تكل عن الإشارة إلى وجودها الفاعل ووحدانيتها في الإمساك بتلك الجعرافيا التي صارت أهم بنود الصراع، كونها تحولت إلى عالمية، واهتز لها الكون برمته.
تسويات أو انفجار !
الآن وفي ظل التهدئة العسكرية، تجري محاولات لإعادة الاعتبار إلى التسويات من منظار التفاهمات التي يرسلها كل طرف إلى الآخر.. ويبقى أبرزها: البرنامج النووي، والنفوذ الإقليمي، وأمن الخليج الذي تصدع وصار من العبث إعادة العلاقات الخليجة الإيرانية إلى سابق عهدها، وهنالك جرح خليجي لن يندمل بسهولة جراء الصواريخ الإيرانية التي انهالت عليه، ثم حرية الملاحة.
لكن ما يجعل الوضع حساسًا، هو أن إيران ترى نفسها قوة إقليمية بل ومنتصرة ولا تريد التراجع، وإسرائيل تعتبر المشروع النووي الإيراني تهديدًا وجوديًّا وتهدد باستئناف القتال، بل أنها قامت بفتح الملاجيء وتنظيفها ووضع طائراتها تحت أهبة الاستعداد، بينما تريد الولايات المتحدة منع أي قوة من السيطرة الأحادية على الخليج أو تهديد تدفق الطاقة العالمي.
تغيير في إيران !
يشكو الأميركي من فقدان المرجع الإيراني الذي يمكنه الجزم بأمور التسويات واتخاذ القرارات.. المرشد مجتبى خامنئي غائب تماما عن السمع والبصر ولا يعرف عنه أي شيء، والقيادات الإيرانية لا شك أن لكل منها رأيه في التسويات، لكن ما يظهر للعلن أن هنالك من ينسج السياسة الداخلية بما يتناسب مع التحديات الخارجية. لكن بعض التحليلات الغربية والإسرائيلية ترى أن الضغط العسكري والاقتصادي قد يهدف في النهاية إلى إضعاف النظام أو دفعه لتغييرات داخلية، لكن هذا السيناريو غير مضمون لأن الضغوط الخارجية أحيانا تعزز التماسك الداخلي بدلًا من تفكيكه، وهو ما قد يجري داخل إيران.
ودائما الجغرافيا..
في التاريخ شواهد كثيرة على ما للجغرافيا من تأثير أساسي وقوي في حياة الشعوب.. أتذكر أول رئيس للجزائر الراحل أحمد بن بلّة وكان ضيفا على برنامجي التلفزيوني "شهود وشواهد" الذي بثه تلفزيون دبي في منتصف التسعينات من القرن الماضي.. سألته عن حرب التحرير التي خاضها الجزائريون ضد الاحتلال الفرنسي للجزائر، فكان جوابه: انتصر الشعب الجزائري لكن جغرافيا الجزائر وأرضها كانت المسرح والحافز الخلاق الذي حقق الانتصار. وبالرغم من قوة النار الأميركية في فيتنام، هرب الأميركي من تلك البقاع تاركًا بلادًا نصرتها جغرافيتها.. وكذلك الحال مع أفغانستان والخروج الأميركي الذليل، وروسيا ستالين وانتصار الجغرافيا الروسية على قوات هتلر الهائلة. كثيرة وكثيرة قوة الجغرافيا في صناعة النصر دائما.
أما في قصتنا الحالية التي نكتبها وتكتبنا، فهنالك محاولة واضحة لتقليص النفوذ الإيراني في الخليج وبلاد الشام مقابل سعي إيران للحفاظ على "عمقها الاستراتيجي". النتيجة قد تكون تفاهمات جديدة على النفوذ وحدود القوة، وليس انتصارًا كاملًا لكل طرف.. وهذا ما ترشحه أوساط كثيرة بديلا عن عودة العنف بين الطرفين، ويبدو أن الأميركي متردد فيه، وهو ما تحمله جمل ترمب بين الحرب والتهدئة، والتي تتناقض كل ساعة.
وإيران ليست دولة صغيرة أو معزولة جغرافيا، لديها عمق سكاني كبير، وموقع استراتيجي مهم جدًا تكفيه جغرافيتها، وقدرات صاروخية، وتأثير إقليمي متشابك.. وفي المقابل خصومها يملكون تفوقًا جويًّا وتكنولوجيًّا، وضغطًا اقتصاديًّا عالميًّا، وتحالفات واسعة..
لذلك يبدو أن الاتجاه الأقرب ليس حسمًا سريعًا، بل مرحلة طويلة من إعادة تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط، مع احتمال فترات تهدئة وربما عودة التصعيد من جديد.
وتبقى "الجغرافيا هي قدر الإنسان" كما قال جمال حمدان في كتابه الشهير الذي ملأه بمئات الصفحات عن عبقرية المكان، و"أن الجغرافيا ليست مجرد تضاريس، بل قوة تاريخية وأن الدول الكبرى لا تصنعها القوة العسكرية فقط، بل موقعها وقدرتها على استثمار هذا الموقع".







